دراسة نقدية من الاخت الاستاذة بهيجة مصري إدبلي..
مع امتناني الشديد لدفء نبضها
تأخذ القصيدة عند الشاعرة فاطمة الحمزاوي حالة تفكيكية لجدلية الصمت الذي يتشكل داخل النص وكأنه كائن قادم من مسافة الأسرار متوسلا ببلاغة الرؤيا .
تتماهى فاطمة الحمزاوي في نصها حتى تتوحد بكلماته تتشكل فيها ما تلبث أن تندرج في غياهب الصمت الذي يتخفى في المسافة بين المقاطع الشعرية وأحيانا يتخفى في المسكوت عنه في ظلال الكلمات، ومن هنا تشرع في تشكيل حالة الحلم ، لخلق حالة من الكشف والانفلات تتماهى بالحلم الذي يمثل حالة انعتاق بحثا عن شكل جديد للجود في أيقونة المعنى .
القارئ لقصائد فاطمة يلاحظ حالتين من حالات الصمت
صمت يعطل الكلام وبالتالي يعطل حالة البوح.
وصمت يتشكل في المخفي من النص أي في ظلال النص المكتوب ، وهذا الصمت تشير إليه الكلمات ، ولا تفصح عنه لأنه يفصح عن ذاته حين يتعرى النص بأصابع التأمل والكشف .
في قصيدة ( الريح لا تعبر صامتة )( 1 ) يتجلى الصمت في حالته الأولى ، حيث الصمت ضد حركة الأشياء ، بل هو نقطة نهايتها ، وموتها ، لذلك يأتي اعتراف الشاعرة :
أعترف
الأغصان لا تلهو صامتة
….
,,,
وكذلك هي الريح التي تعبر الخواء ، لا تعبره أبدا صامتة ، وبالتالي يفصح اعتراف الشاعرة عن كينونة الأشياء ، في تفجير حالات الصمت ، وتحويلها إلى حالات من الوجود الحقيقي للكائن :
الريح
تلك الأبعد من همسة
لنه تعبر الخواء
أ
ب
د
ا
صامتة
أعترف
هذه الحالة من الصمت هي في حالة صراع مع الذات تبحث في مسافاتها عن لحظة من الحلم عن ذاكرة بلا جدران ذاكرة تسع المدى تتعرى من صمتها لتدخل في انعتاق يشبه انعتاق الريح لتشكل وجودها من طينة الحلم لأن الحلم هو رحلتها التي تبحث فيها عن صلوات روحها وعن تنهدات قلبها عن صورة الحبيب وعن صورة الحرية وعن صورة الخلاص ، وكأن الحلم هو ردة فعل على ما تعانيه الفذات المسورة بالهرب والضياع لذلك تأتي الصور مشحونة بهذه الطاقة الخالقة الطاقة التي تفتح في القصيدة فجوات وهوات عميقة لتقرأ أسرارها . حيث تقف في قصيدتها / الريح لا تعبر صامتة / في حالة اعتراف أمام الذات بمقاطع تتناسل من بعضها كحالة ولادة مستمرة من رحم الصمت وكأن الكلمات والصور في سباق تتابع تمسك بتلابيب بعضها النهاية بالبداية ليتماهى المقطع الشعري في حالة وصل ، ووجد يطلقها النص بين كلماته ، بل لتصبح القصيدة كلها قائمة بين كلمتين / أعترف ـ البداية / وأعترف ـ النهاية / بينما يمسك المقطع الأول بالثاني من خلال كلمة / خلسة / والثاني بالثالث من خلال كلمة / المساء / والثالث بالرابع من خلال كلمة الذاكرة فإذا بها تضع مفاتيح القصيدة بالكلمات خلسة / المساء / الذاكرة / ومن خلالها يتشكل حلمها في تكوين عالمها الشعري من خلال تفجير اللحظة الشعرية في ذاتها مراهنة على تفكيك الصمت بل الخروج من أيقونة الصمت لتنهض الأغصان من صمتها والريح من صمتها والروح من فجيعتها ، لتشكل كينونتها من خلالها فإذا بنا ندرك من خلال كلمة خلسة حالة انخطاف الروح في جيوب الفجيعة ، إلا أن من خلال هذه الخلسة وهذا الانخطاف أيضا ، يتكون موقف آخر يشعل المساء من فتات الضياء ليتشكل أول الحلم حيث تتخلص الذاكرة من جدران فجيعتها لكن هذا الاندفاع يعري الذاكرة من جدران فجيعتها لتصبح عارية كسمكة تتعرى من البحر أي تتعرى من كينونتها من ذاتها من وجودها من حقيقتها وإذا تعرَّت من كل ذلك لاشك أنها ستدخل في التلاشي والخواء لكنها بتمسكها بالحلم تقرر في النهاية :
الريح
تلك الأبعد من همسة
لن تعبر الخواء
أ
ب
د
ا
صامتة
أما الحالة الثانية من الصمت فهي غير مدركة وإنما تتجلى في بنية القصيدة المقطعية عند فاطمة الحمزاوي
ففي قصيدة الريح لا تعبر صامتة كانت مساحة الصمت ضيقة بل كانت محاولة للخروج من الصمت ، وتفجير حالاته إن كان في المعاني التي أرادتها الشاعرة لمعاني الصمت في شكله السلبي ، أي انعدام الكلام أو انعدام الحرية لأنها حاولت أن تجعل المقاطع في حالة تناسل ، أي في حالة التصاق من خلال كلمة واحدة كما سبق وذكرنا ، وهذا الالتصاق بين المقاطع بكلمة ـ حيث تكون النهاية لمقطع والبداية للمقطع الذي يليه ـ تضيق حالة الصمت بين المقاطع أو حالة الصمت المخفية التي تشكلها القصيدة من خلال رؤيا الشاعرة و لا تبوح بها إلا من خلال تفكيك البنية الشعرية للشاعرة ، ويبدو هذا الأمر واضحا في قصيدة مشاهد ، حيث كان الصمت هنا ك حالة مختلفة عن الصمت السلبي ، كان الصمت الذي يمفصل المقاطع ، حالة أعمق من الكلام ، ليتحول إلى " كلام الذات للذات ، إنه يوسع حدوده وينظم مقولاته ويؤسس لأهدافه ويحدد أبعاده ويؤثر في الكلام الذي يهيأ لما يأتي ويتشكل بعد بقدر ما يكون للكلام غياب واضمحلال إنه أيضا توغل نحو الأعماق فله ملافيه وسراديبه العصية على سلطة الكلام " ( 2 )
فهل يمكننا القول إن الصمت المتواري خلف الكلمات في هذه القصيدة ، إنما هو حالة أعمق من الكلام وأكثر شساعة
هذا الأمر ظاهر من خلال قراءتنا لقصيدة ( مشاهد ) ( 3 ) التي حاولت الشاعرة من خلال مشاهدها أن تشكل أحلامها ، تلك الأحلام التي تحفر في الذات لتؤسس مساحة واسعة من الصمت ، والخلاص ، لأن بتقسيمها القصيدة إلى مشاهد ندرك هذه المساحة من الصمت التي تفصل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ