فاطمة الحمزاوي تشهق بالحلم والصمت.
كتبهافاطمة الحمزاوي ، في 6 مايو 2009 الساعة: 17:59 م
دراسة نقدية من الاخت الاستاذة بهيجة مصري إدبلي..
مع امتناني الشديد لدفء نبضها
تأخذ القصيدة عند الشاعرة فاطمة الحمزاوي حالة تفكيكية لجدلية الصمت الذي يتشكل داخل النص وكأنه كائن قادم من مسافة الأسرار متوسلا ببلاغة الرؤيا .
تتماهى فاطمة الحمزاوي في نصها حتى تتوحد بكلماته تتشكل فيها ما تلبث أن تندرج في غياهب الصمت الذي يتخفى في المسافة بين المقاطع الشعرية وأحيانا يتخفى في المسكوت عنه في ظلال الكلمات، ومن هنا تشرع في تشكيل حالة الحلم ، لخلق حالة من الكشف والانفلات تتماهى بالحلم الذي يمثل حالة انعتاق بحثا عن شكل جديد للجود في أيقونة المعنى .
القارئ لقصائد فاطمة يلاحظ حالتين من حالات الصمت
صمت يعطل الكلام وبالتالي يعطل حالة البوح.
وصمت يتشكل في المخفي من النص أي في ظلال النص المكتوب ، وهذا الصمت تشير إليه الكلمات ، ولا تفصح عنه لأنه يفصح عن ذاته حين يتعرى النص بأصابع التأمل والكشف .
في قصيدة ( الريح لا تعبر صامتة )( 1 ) يتجلى الصمت في حالته الأولى ، حيث الصمت ضد حركة الأشياء ، بل هو نقطة نهايتها ، وموتها ، لذلك يأتي اعتراف الشاعرة :
أعترف
الأغصان لا تلهو صامتة
….
,,,
وكذلك هي الريح التي تعبر الخواء ، لا تعبره أبدا صامتة ، وبالتالي يفصح اعتراف الشاعرة عن كينونة الأشياء ، في تفجير حالات الصمت ، وتحويلها إلى حالات من الوجود الحقيقي للكائن :
الريح
تلك الأبعد من همسة
لنه تعبر الخواء
أ
ب
د
ا
صامتة
أعترف
هذه الحالة من الصمت هي في حالة صراع مع الذات تبحث في مسافاتها عن لحظة من الحلم عن ذاكرة بلا جدران ذاكرة تسع المدى تتعرى من صمتها لتدخل في انعتاق يشبه انعتاق الريح لتشكل وجودها من طينة الحلم لأن الحلم هو رحلتها التي تبحث فيها عن صلوات روحها وعن تنهدات قلبها عن صورة الحبيب وعن صورة الحرية وعن صورة الخلاص ، وكأن الحلم هو ردة فعل على ما تعانيه الفذات المسورة بالهرب والضياع لذلك تأتي الصور مشحونة بهذه الطاقة الخالقة الطاقة التي تفتح في القصيدة فجوات وهوات عميقة لتقرأ أسرارها . حيث تقف في قصيدتها / الريح لا تعبر صامتة / في حالة اعتراف أمام الذات بمقاطع تتناسل من بعضها كحالة ولادة مستمرة من رحم الصمت وكأن الكلمات والصور في سباق تتابع تمسك بتلابيب بعضها النهاية بالبداية ليتماهى المقطع الشعري في حالة وصل ، ووجد يطلقها النص بين كلماته ، بل لتصبح القصيدة كلها قائمة بين كلمتين / أعترف ـ البداية / وأعترف ـ النهاية / بينما يمسك المقطع الأول بالثاني من خلال كلمة / خلسة / والثاني بالثالث من خلال كلمة / المساء / والثالث بالرابع من خلال كلمة الذاكرة فإذا بها تضع مفاتيح القصيدة بالكلمات خلسة / المساء / الذاكرة / ومن خلالها يتشكل حلمها في تكوين عالمها الشعري من خلال تفجير اللحظة الشعرية في ذاتها مراهنة على تفكيك الصمت بل الخروج من أيقونة الصمت لتنهض الأغصان من صمتها والريح من صمتها والروح من فجيعتها ، لتشكل كينونتها من خلالها فإذا بنا ندرك من خلال كلمة خلسة حالة انخطاف الروح في جيوب الفجيعة ، إلا أن من خلال هذه الخلسة وهذا الانخطاف أيضا ، يتكون موقف آخر يشعل المساء من فتات الضياء ليتشكل أول الحلم حيث تتخلص الذاكرة من جدران فجيعتها لكن هذا الاندفاع يعري الذاكرة من جدران فجيعتها لتصبح عارية كسمكة تتعرى من البحر أي تتعرى من كينونتها من ذاتها من وجودها من حقيقتها وإذا تعرَّت من كل ذلك لاشك أنها ستدخل في التلاشي والخواء لكنها بتمسكها بالحلم تقرر في النهاية :
الريح
تلك الأبعد من همسة
لن تعبر الخواء
أ
ب
د
ا
صامتة
أما الحالة الثانية من الصمت فهي غير مدركة وإنما تتجلى في بنية القصيدة المقطعية عند فاطمة الحمزاوي
ففي قصيدة الريح لا تعبر صامتة كانت مساحة الصمت ضيقة بل كانت محاولة للخروج من الصمت ، وتفجير حالاته إن كان في المعاني التي أرادتها الشاعرة لمعاني الصمت في شكله السلبي ، أي انعدام الكلام أو انعدام الحرية لأنها حاولت أن تجعل المقاطع في حالة تناسل ، أي في حالة التصاق من خلال كلمة واحدة كما سبق وذكرنا ، وهذا الالتصاق بين المقاطع بكلمة ـ حيث تكون النهاية لمقطع والبداية للمقطع الذي يليه ـ تضيق حالة الصمت بين المقاطع أو حالة الصمت المخفية التي تشكلها القصيدة من خلال رؤيا الشاعرة و لا تبوح بها إلا من خلال تفكيك البنية الشعرية للشاعرة ، ويبدو هذا الأمر واضحا في قصيدة مشاهد ، حيث كان الصمت هنا ك حالة مختلفة عن الصمت السلبي ، كان الصمت الذي يمفصل المقاطع ، حالة أعمق من الكلام ، ليتحول إلى " كلام الذات للذات ، إنه يوسع حدوده وينظم مقولاته ويؤسس لأهدافه ويحدد أبعاده ويؤثر في الكلام الذي يهيأ لما يأتي ويتشكل بعد بقدر ما يكون للكلام غياب واضمحلال إنه أيضا توغل نحو الأعماق فله ملافيه وسراديبه العصية على سلطة الكلام " ( 2 )
فهل يمكننا القول إن الصمت المتواري خلف الكلمات في هذه القصيدة ، إنما هو حالة أعمق من الكلام وأكثر شساعة
هذا الأمر ظاهر من خلال قراءتنا لقصيدة ( مشاهد ) ( 3 ) التي حاولت الشاعرة من خلال مشاهدها أن تشكل أحلامها ، تلك الأحلام التي تحفر في الذات لتؤسس مساحة واسعة من الصمت ، والخلاص ، لأن بتقسيمها القصيدة إلى مشاهد ندرك هذه المساحة من الصمت التي تفصل مشهدا عن آخر ، والتي تقوم مقام الستارة في خشبة المسرح ، حيث الذات هي الخشبة ، والستارة هي الصمت الذي يكتنف البياض بين المقاطع ، أو المسافات الفاصلة بين مشهد وآخر ، وهنا تكتمل المشاهد الحلمية التي ترسمها فاطمة الحمزاوي ، حيث تبدؤها برفع الستارة ، وكأنها ترفع الوقت كي تبدأ الدخول في الحلم ، أو النص المترسخ في الذات ،والكامن في زاوية الحلم ،أو مساحة الحلم ، و كأن الستارة التي رفعتها في البداية إنما هي الحاجز الزمني بينها وبين أحلامها ، ومن خلال حركة الستارة مع الوميض:
ارفع الستارة
يومض وجهه
في كفها
نقرأ مقدرة الشاعرة على نقل الحركة الخفية في النص وكأن كلمة الستارة مشحونة بوميض وجهه في كفها شهبا كالحلم
بل إنه هو الحلم الذي تبحث عنه ، فيتوحد نوره بجسدها بكل تفاصيل وجودها ، بعينيها ، بشفتيها ، وهنا تتحول القصيدة إلى حالة خارجة عن الزمن ، لتدخل في زمن آخر ، هو زمن الحلم ،وفي زمن الحلم ، تختلف الدقائق والثواني ، وتختلف المسافة بين العلاقات الزمنية والأشياء التي تتصل بالزمن
ولأنها اختارت هذا الشكل المسرحي لنصها وتقسيمه إلى مشاهد ، فقد شكَّلت نصا دراميا بلباس غنائي ، حيث البناء الدرامي يتشكل داخل الذات ، في صراعها مع الحلم ، وهنا يأخذ السمة الغنائية المختلفة عن البناء الدرامي ، وبالتالي تمنح الشاعرة نصها حرية التحرك في مجاهيل الذات وحرية التعبير عن إسقاطات الحلم وتأويلاته ، حيث يختلط الحلم بالصمت فلا تدرك حقيقة الحلم إلا عندما تنزل الستارة و بالتالي يتدخل الزمن المتمثل في هذه الحركة الزمنية المتمثلة بالستارة وهنا لابد أن ينتهي الحلم وبانتهاء الحلم تتذكر الشاعرة أنها كانت تحلم وكأنها كانت في غيبوبة النص تتمشى في مسافاته الحلمية التي انعتقت من الزمن لتعود بعودة الزمن إلى حقيقته حيث يمتاز نص فاطمة الحمزاوي بمشهدية واضحة في رسم الكون الشعري لديها على شكل حلم يتماهى في ذاتها في كينونتها حيث يشكل الحلم حالة اختراق للأشياء وحالة تحدي وحالة وجود بل حالة حب تبحث فيه عنت ذاتها عن وجودها بل تحاول أن تشكل هذا الوجود .
وعندما نتحدث عن الحلم والصمت عند فاطمة الحمزاوي طبعا الصمت الذي يشكل مساحة للحلم وليس الصمت الذي يعطل الإبداع لابد أن تسري في دمنا دقائق الوقت وثوانيه لأن الوقت والزمن هو أيضا من الحالة المعطلة للحلم ، لذلك تحاول أن ترسم له صورة كاريكاتورية تجريدية أشبه بلوحات سلفادور دالي الذي يرسم الشمس وكأنها معلقة وهي سائلة بشكل هلامي ، وكذلك الساعات والعقارب ، والشاعرة أيضا هنا تحاول في قصيدة تأتأة ( 4 ) أن تشكل لوحة ساخرة من الوقت ،من الزمن الذي يقيّد الذاكرة الإبداعية المحترقة .
وفاطمة الحمزاوي تحاول بهذا الشكل أن تشكل لوحات لهذا الوقت المرابط حول أحلامها لذلك تصور ثوانيه مدلاة من عرائش الشوق :
تصافح العقارب
لتموت
و
تأ
تأه
بغيضة
تدك عظام الصمت
حيث تحاول في الساعة الأخيرة بعد منتصف الرحيل ، أن تنقل لنا صورة سمعية ،وبصرية، البصرية هي صورة الثواني المدلاة ، وهي تصافح العقارب.
والصوتية في صوت تأتأة الوقت هذه التأتأة التي كما ترى الشاعرة تدك عظام الصمت
فينطق وجع الليل
وتنطفئ الأحلام
في سريري المبلل بالفقد
وأنا
على حواف التو سل
أشهق بك
فأهطل خوفا أخرسا
ويتقاطر الوقت على جدبي
شفة شفة
وهنا نقف عند كلمتي الصمت / الأحلام حيث الوقت يدك عظام الصمت والصمت هنا يأخذ المعنى في الحالة الثانية التي أشرنا إليها ، المعنى التأملي الذي يشترك مع الحلم ، في تشكيل حالات شعرية ، بهذا المعنى للصمت تصبح لتأتأة الوقت سطوة القاتل ، الذي يدك هذا الحصن من التأمل من الخلق فإذا به ينطق بالوجع في عتم الليل وما إن يخرج الليل عن تأمله حتى تنطفئ الأحلام التي كانت متوهجة في ذاكرة التأمل ، وهنا نأتي مرة أخرى لنتابع الصورة البصرية في رسم حالة الذات التي كانت تتحدث بالصمت ، وتحتمي به، حيث تلتحف الأحلام فترسم لنا صورتها في سرير مبلل بالفقد بينما هي تشهق به ، لأنه يمثل لها الحياة ، حتى ولو كان ذلك في الحلم ، لكننا نكتشف أن هذه الشهقة التي تعلن الحياة ، ما تلبث أن تهطل في داخلها خوفا أخرسا،عندما يفاجئها الوقت الذي أطفأ في داخلها موطن النطق والصمت معا ، وكأنه اتحد بها ، لذلك رسمت لنا ثوانيه ودقائقه وكأنها الشفاه الصائمة عن الآه ، حيث تكتمل اللمسات الأخيرة من اللوحة برسمها صورة لذاتها في داخل القصيدة
ثمة شيء يستأصلني مني..
ثمة شيء يميتني بي..
كأني تعب المسافات..
كأني شبق النها/ي/َأت..
ك
/
أ
/
ن
/
ي
/
بكاء القوافي..
على نواصي القصيد..
هوامش
( 1 ) الريح لا تعبر صامتة
( 2 ) ابراهيم محمود ـ جماليات الصمت ، مركز الإنماء الحضاري ـ حلب ـ 2002 ، ص 17
( 3 ) مشاهد..
( 4 ) تأتأة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسة | السمات:دراسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























مايو 7th, 2009 at 7 مايو 2009 5:32 ص
انا متابع لكتابات فاطمة حمزاوي من خلال مدونتها..ورغم اني اميل جدا للاسلوب الرومانسي التصويري في الكتابة…غير اني اجد في نصوصها شيء ساحر يجذبني دوما..
بالطبع انا لست ناقدا ولا اجيد النقد بل هذا مجرد راي لقاريء عادي..
كلمة وحيدة استعملها…ما تكتبه فاطمة جميل..وهي تستحق مساحة نشر اوسع..
شكرا
الفارس المتأخر
مايو 11th, 2009 at 11 مايو 2009 5:51 م
البهي باسل
ممتنة طلتك الغالية ايها الرفيق
ما زلت احبو في عالم يقولني والطريق طويل يا اخي
دمت
أكتوبر 21st, 2009 at 21 أكتوبر 2009 10:33 م
انا ساهر الحمزاوى من المنصوره واسمع انى ليا اقارب كتير احب اتعرف عليهم اسمى بالكامل
ساهر ماهر محمد محمد محمد الحمزاوى 0168041124